فصل: قال نظام الدين النيسابوري في الآيات السابقة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



فكوْنه أخذ كتابه بيمينه، فهذه بشارة الخير وبداية السلامة، فإذا به يسارع إلى قراءته، بل ويتباهى به بين الناس قائلًا: {هَآؤُمُ اقْرَؤُاْ كِتَابيَهْ} [الحاقة: 19] إنه مسرور بعمله الصالح الذي يحب أنْ يطلع عليه الناس، وقوله تعالى: {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلًا} [الإسراء: 71]
الظلم أنْ تأخذ من خير غيرك مما ليس عندك، إذن: فعندك نقص في شيء تريد أنْ تحصل عليه ظلمًا، إذن: فماذا ينقص الحق سبحانه وتعالى حتى يظلم الخَلْق؟! إن الخلق يتصفون بالظلم؛ لأن الإنسان عادةً لا يرضى بما قسم الله له؛ لذلك يشعر بالنقص فيظلم غيره، أما الله عز وجل فهو الغني عن الخَلْق، فكيف يظلمهم؟ وهم جميعًا بما يملكون هِبة منه سبحانه.
ومعنى {فَتِيلًا} عادةً يضرب الحق سبحانه وتعالى الأمثال في القرآن بالمألوف عند العرب وفي بيئتهم، ومن مألوفات العرب التمر، وهو غذاؤهم المفضّل والعَلف لماشيتهم، ومن التمر أخذ القرآن النقير والقطمير والفتيل، وهي ثلاثة أشياء تجدها في نواة الثمرة، وقد استخدمها القرآن في تمثيل الشيء الضئيل القليل.
فالنقير: هو تجويف صغير في ظهر النواة مثل النقطة.
والقطمير: هو اللفافة الرقيقة الشفافة بين الثمرة والنواة.
والفتيل: هو غلالة رقيقة تشبه الخيط في بطن النواة.
فمعنى: {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلًا} [الإسراء: 71] أي: أنه سبحانه وتعالى لا يظلم الناس أبدًا، فهو سبحانه مُنزَّه عن الظلم مهما تناهى في الصِّغَر.
وفي مقابل مَنْ أوتي كتابه بيمينه لم تذكر الآية مَنْ أُوتي كتابه بشماله، كما جاء في قوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ} [الحاقة: 25]
وفي آية أخرى قال: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ} [الانشقاق: 10]
أما هنا فقال الحق سبحانه: {وَمَن كَانَ فِي هَاذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى...}.
وهذا هو المقابل لمن أخذ كتابه بيمينه؛ لأنه عميتْ بصيرته في الدنيا فعمى في الآخرة، وطالما هو كذلك فلا شَكَّ أنه من أهل الشمال، فالآيات ذكرتْ مرة السبب، وذكرتْ مرة المسبّب، ليلتقي السبب والمسبب، وهو ما يعرف باسم [الاحتباك] البلاغي.
فكأن الحق سبحانه قال: إن مَنْ أُوتِي كتابه بيمينه وقرأه وتباهى به لم يكُنْ أعمى في دنياه، بل كان بصيرًا واعيًا، فاهتدى إلى منهج الله وسار عليه، فكانت هذه نهايته وهذا جزاءه.
أما مَنْ أوتي كتابه بشماله فقد كان أعمى في الدنيا عمى بصيرة لا عمى بصر؛ لأن عمى البصر حجب الأداة الباصرة عن إدراك المرائي، والكافرون في الدنيا كانوا مُبصرين للمرائي من حولهم. مُدركين لماديات الحياة، أما بصيرتهم فقد طُمِس عليها فلا ترى خيرًا، ولا تهتدي إلى صلاح.
وسبق أن قلنا: إن الإنسان لكي يسير في رحلة الحياة على هدى لابد له من بصر يرى به المرائي المادية، حتى لا يصطدم بأقوى منه فيتحطم أو بأضعف منه فيحطمه، والبصر للمؤمن والكافر من عطاء الربوبية للإنسان. لكن إلى جانب البصر هناك عطاء آخر هو ثمرة من ثمار عطاء الألوهية الذي لا يكون إلا للمؤمن، ألا وهو البصيرة، بصيرة القيم التي يكتسبها الإنسان من منهج الله الذي آمن به وسار على هَدْيه.
وقوله: {فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلا} [الإسراء: 72]
إنْ كان عماه في الدنيا عمى بصيرة، فَعَماه في الآخرة عمى بصر؛ لأن البصيرة مطلوبة منه في الدنيا فقط؛ لأن بها سيُعرف الخير من الشر، وعليها يترتب العمل، وليست الآخرة مجال عمل، إذن: العمى في الآخرة عمى البصر، كما قال تعالى في آية أخرى: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمَى} [طه: 123-124]. وقال عنهم في آية أخرى: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا..} [الإسراء: 97]. لكن قد يقول قائل: هناك آيات أخرى تثبت لهم الرؤية في الآخرة، مثل قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ..} [مريم: 75]
وقوله تعالى: {وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا..} [الكهف: 53]
وللجمع بين هذه الآيات وللتوفيق بينها نقول: للكفار يوم القيامة في مجال الرؤية البصرية حالتان: الأولى عند القيام وهَوْل المحشر يكونون عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا لتزداد حَيْرتهم ويشتد بهم الفزع حيث هم في هذا الكرب الشديد، ولكن لا يعرف ما يحدث ولا أين المهرب، ولا يستمعون من أحد كلمة، وهكذا هم في كَرْب وحَيْرة لا يدرون شيئًا. وهذه حالة العمي البصري عندهم.
أما الحالة الثانية وهي الرؤية، فتكون عندما يتجلى الحق تبارك وتعالى لأهل الموقف ويكشف الغطاء عن نفسه سبحانه، فهنا يصير الكافر حَادّ البصر، ليرى مكانه من النار.
ولابُدَّ لنا هنا أن نلحظَ أن ألفاظ اللغة قد يكون اللفظ واحدًا ولكن يختلف السياق، ففي قوله تعالى: {وَمَن كَانَ فِي هَاذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا} [الإسراء: 72]
فلفظ: {أَعْمَى} واحد، لكن في الآخرة قال: {وَأَضَلُّ سَبِيلًا} إذن: لابد أن عمى الدنيا أقلّ من عمى الآخرة، كما تقول: هذا خير. فمقابل خير: شر. أما لو قلت: هذا خَيْر من هذا فقد فضَّلتَ الأول في الخيرية عن الثاني، إذن: كلمة خير إما أنْ تأتي وَصْفًا، وإما أن تأتي تفضيلًا.
ومن ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خَيْرٌ وأحَبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كُلٍّ خير» فالمراد أن المؤمن القوي أكثر في الخيرية. إذن: فكلمة: {فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى..} [الإسراء: 72] ليست وَصْفًا، وإنما تفضيل لعمى الآخرة على عمى الدنيا، أي أنه في الآخرة أشدّ عمىً.
وقوله تعالى: {وَأَضَلُّ سَبِيلًا} [الإسراء: 72] ومعلوم أنه كان ضالًا في الدنيا، فكيف يكون أضلَّ في الآخرة؟
قالوا: لأن ضلاله في الدنيا كان يمكن تداركه بالرجوع إلى المنهج والعودة إلى الطريق السَّويّ، أما في الآخرة فضلاله لا يمكن تداركه، فقد انتهى وقت الاختيار، إذن: فضلالهُ في الآخرة أشدّ وأعظمُ من ضلاله في الدنيا. اهـ.

.قال نظام الدين النيسابوري في الآيات السابقة:

{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (61)}.
التفسير: قال أهل النظم: إنه لما ذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان من قومه في بلية عظيمة ومحنة شديدة، أراد أن يبين أن جميع الأنبياء كانوا كذلك حتى آدم عليه السلام. وأيضًا إن القوم كان منشأ نزاعهم واقتراحاتهم الفاسدة أمرين: الكبر والحسد. فبين الله سبحانه أن هذه عادة قديمة سنها إبليس لعنة الله عليه. وأيضًا لما وصف القوم بزيادة الطغيان عقيب التخويف أراد أن يذكر السبب لحصول هذا الطغيان وهو قول إبليس {لأحتنكن ذريته} وهذه القصة ذكرها الله تعالى في سبع سور: البقرة والأعراف والحجر وهذه السورة والكهف وطه وص. ونحن قد استقصينا القول فيه فلا حاجة إلى الإعادة فلنقتصر على تفسير الألفاظ، قال جار الله {طينًا} حال إما من الموصول والعامل فيه {أسجد} معناه أأسجد له وهو طين في الأصل؟ وإما من الراجع إلى الموصول من الصلة تقديره أأسجد لمن كان في وقت خلقه طينًا؟ ومعنى الاستفهام إنكار أمر الأشرف على زعمه بخدمة الأدون ولذلك {قال أرأيتك} أي أخبرني عن {هذا الذي كرمته} أي فضلته {عليّ} لم كرمته وأنا خير منه؟ فاختصر الكلام لكونه معلومًا. ويمكن أن يقال: هذا مبتدأ والاستفهام فيه مقدر معناه أخبرني أهذا الذي كرمته عليّ؟ والإشارة هنا تفيد الاستحقار. وقيل: إن هذا مفعول: {أرأيت} لأن الكاف لمجرد الخطاب كأنه قال على وجه التعجب والإنكار: أبصرت أو علمت هذا بمعنى لو أبصرته أو علمته لكان يجب أن لا يكرّم عليّ. ثم ابتدأ فقال {لئن أخرتني} واللوم موطئة للقسم المحذوف وجوابه {لأحتنكن ذرّيته} لأستأصلنهم بالإغواء من احتنك الجراد الأرض إذا جرد ما عليها أكلًا من الحنك.
ومنه ما ذكر سيبويه: أحنك الشاتين أي آكلهما. وقال أبو مسلم: هو افتعال من الحنك يقال منه حنك الدابة يحنكها إذا جعل في حنكها الأسفل حبلًا يقودها به كأنه يملكهم كما يملك الفارس فرسه بلجامه. وإنما ظن إبليس بهم ذلك لأنه سمع قول الملائكة في حقهم {تجعل فيها من يفسد فيها} [البقرة: 30] أو نظر إليه فتوسم أنه خلق شهواني إلى غير ذلك من قواه السبعية والوهمية والبهيمية. أو قاس ذرية آدم عليه حين عمل وسوسته فيه. وضعفه جار الله بأن الظاهر أنه قال ذلك قبل أكل آدم من الشجرة {قال} أي الله تعالى: {اذهب} ليس المراد منه نقيض المجيء وإنما المراد امض لشأنك اذي اخترته خذلانًا وتخيلة وإمهالًا. ثم رتب على على الإمهال قوله: {فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم} أراد جزاؤهم وجزاؤك فغلب المخاطب على الغائب لأنه الأصل في المعاصي وغيره تبع له. وجوز في الكشاف أن يكون الخطاب لتابعيه على طريقة الالتفات. وانتصب {جزاء موفورًا} على المصدر والعامل فيه معنى تجازون المضمر، أو المدلول عليه بقوله: {فإن جهنم جزاؤكم} أو على الحال الموطئة. والموفور الموفر من قولهم: «فر لصاحبك عرضه فرة». وقيل: هو بمعنى الوافر.
ثم أكد الإمهال والخذلان بقوله: {واستفزز من استطعت منهم بصوتك} أفزه الخوف واستفزه أزعجه واستخفه، وصوته دعاؤه إلى معصية الله. وقيل: الغناء واللهو واللعب {وأجلب عليهم بخيلك ورجلك} قال الفراء وأبو عبيدة: أجلب من الجلبة والصياح أي صح عليهم. وقال الزجاج: أي أجمع عليهم كل من تقدر عليه من مكايدك. فالإجلاب الجمع والباء في {بخيلك} زائدة. وقال ابن السكيت: الإجلاب الإعانة، والخيل يقع على الفرسان قال صلى الله عليه وسلم: «يا خيل الله اركبي» وعلى الأفراس جميعًا. والرجل بسكون الجيم جمع راجل كتاجر وتجر وصاحب وصحب. وبكسر الجيم صفة معناه وجمعك الرجل. تضم جيمه أيضًا مثل ندس وندس وحذر وحذر. عن ابن عباس: كل راكب وراجل في معصية الله فهو من خيل إبليس وجنوده. وقيل: يحتمل أن يكون لإبليس جند من الشياطين بعضها راكب وبعضها راجل، والأقرب أن هذا كلام ورد تمثيلًا فقد يقال للرجل المجد في الأمر جئتنا بخيلك ورجلك. قال في الكشاف: مثلت حاله في تسلطه على من يغويه بمغوار أوقع على قوم فصوت بهم صوتًا يستفزهم من أماكنهم ويقلقهم عن مراكزهم، وأجلب عليهم بجند من خيالة ورجالة حتى إذا استأصلهم. أما المشاركة في الأموال فهي كل تصرف في المال لا على وجه الشرع سواء كان أخذًا من غير عوض أو وضعًا في غير حق كالربا والغضب والسرقة. وقيل: هي تبتيك آذان الأنعام وجعلها بحيرة وسائبة.
والمشاركة في الأولاد دعوى الولد بغير سبب وتحصيله بالدعاء إلى الزنا، أو تسميتهم بعبد اللات وعبد العزى، أو تربيتهم لا كما ينبغي حتى ينشأوا غير راشدين ولا مؤدبين ولا متدينين بدين الحق. {وعدهم} بتزيين المعاصي في أعينهم وترغيبهم فيها وتثقيل الطاعات والعبادات عليهم وتنفيرهم عنها، وهذه قضية كلية وربما يخصه المفسرون، فعن بعضهم أن المراد وعدهم بأنه لا جنة ولا نار. وقيل: تسويف التوبة. وقيل: بالكرامة على الله بالأنساب والأحساب. وقيل: بشفاعة الأصنام والأماني الباطلة وإيثار العاجل على الآجل. ثم نفى أن يكون لوعد الشيطان عاقبة حميدة فقال: {وما يعدهم الشيطان إلا غرورا} لأنه إنما يدعو إلى اللذات البهيمية أو السبعية أو الخيالية، وأكثرها دفع الآلام وكلها لا أصل لها ولا دوام. ومن أراد الاستقصاء في هذا الباب فعليه بمطالعة باب (ذم الغرور من كتاب إحياء علم الدين) للشيخ الإمام محمد الغزالي رحمه الله.
ولما قال للشيطان على سبيل الوعيد والتهديد افعل ما تقدر عليه ربط جأش سائر المكلفين بقوله: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} [الحجر: 42] قال الجبائي: المراد كل عباده لأنه استثنى متبعيه في غير هذا الموضع قائلًا: {إلاَّ من تبعك} [الحجر: 42] وقال أهل السنة: المراد عباد الله المخلصين. ثم زاد في تقوية جانب المكلف فختم الآية بقوله: {وكفى بربك وكيلًا} فهو يدفع كيد الشيطان ويعصمهم من إغوائه. ثم عدد على بني آدم بعض ما أنعم به عليهم ليكون تذكيرًا لهم وتحذيرًا فقال: {ربكم الذي يزجى لكم} أي يسير لأجلكم {الفلك في البحر} والإزجاء سوق الشيء حالًا بعد حال {لتبتغوا من فضله} الربح بالتجارة {إنه كان بكم رحيمًا} فلذلك هداكم إلى مصالح المعاش المؤدية إلى منافع المعاد {وإذا مسكم الضر} أي خوف الغرق {في البحر ضل من تدعون} ذهب عن أوهامكم وخواطركم كل من تدعونه في حوادثكم {إلا إياه} وحده فإنكم تعقدون برحمته رجاءكم، أو المراد ضل من تدعون من الآلهة عن إغاثتكم ولكن الله هو الذي ترجونه وحده فكان الاستثناء منقطعًا {فلما نجاكم} من ذلك الضر وأخرجكم {إلى البر أعرضتم} عن الإخلاص {وكان الإنسان كفورًا} لنعمة الله لأنه عند الشدة يتمسك برحمة الله وفي الرخاء يعرض عنه. ثم أنكر عليهم سوء معاملتهم قائلًا: {أفأمنتم} تقديره أنجوتم فأمنتم فحملكم ذلك على الإعراض {أن يخسف} أصله دخول الشيء في الشيء ومنه عين خاسفة للتي غارت حدقتها في الرأس، وخسف القمر دخل تحت الحجاب وهو دائرة الظل عند الحكماء {بكم} حال، وإنما قال: {جانب البر} لأنه ذكر البحر في الآية الأولى وهو جانب والبر جانب، وخسف جانب البر بهم قلبه وهم عليه فالخسف تغييب تحت التراب كما أن الغرق تغييب تحت الماء، فهبوا أنكم نجوتم من هول البحر فهل أمنتم من هول البر فإنه قادر على تسليط آفات البر عليكم.
إما من جانب التحت بالخسوف، وإما من جانب الفوق بإمطار الحجارة وذلك أن {يرسل عليكم} حاصبًا وهي الريح التي تحصب أي ترمي بالحصباء. وقال الزجاج: الحاصب التراب الذي فيه حصباء، فالحاصب ذو الحصباء كاللابن والتامر. ولا يخفى أن هذين العذابين أشد من غرق البحر. {ثم لا تجدوا لكم وكيلًا} يصرف ذلك عنكم {أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى} بأن يقوي دواعيكم ويوفر حوائجكم إلى ركوب البحر {فيرسل عليكم قاصفًا} وريحًا لها قصيف أي صوت شديد أو القاصف الكاسر. وقوله: {من الريح} بيان له {فيغرقكم بما كفرتم} بسبب كفركم {ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعًا} مطالبًا يتبعنا لإنكار ما نزل بكم أو لنصرفه عنكم فهو كقوله: {ولا يخاف عقباها} [الشمس: 16].
ثم أجمل ذكر النعمة بقوله: {ولقد كرمنا بني آدم} وقد ذكر المفسرون في تكريمه وجوهًا منها: الخط فيه يقدر الإنسان على إيداع العلوم التي استنبطها- هو أو غيره- الدفاتر فتبقى على وجه الدهر مصونة عن الاندراس محفوظة عن الانطماس {اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم} [العلق: 3، 4] ومنها الصورة الحسنة {وصوركم فأحسن صوركم} [غافر: 64]، ومنها القامة المعتدلة {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} [التين: 4] ومنها أن كل شيء يأكل بفيه إلا ابن آدم. يحكى عن الرشيد أنه حضر لديه طعام فأحضرت الملاعق- وعنده أبو يوسف- فقال له: جاء في تفسير جدك ابن عباس هذا التكريم هو أنه جعل لهم أصابع يأكلون بها فرد الملاعق وأكل بأصابعه. ومنها ما قال الضحاك: إنه النطق والتمييز فإن الإنسان يمكنه تعريف غيره كل ما عرفه بخلاف سائر الحيوان، ويدخل الأخرس في هذا الوصف لأنه يعرف بالإشارة أو الكتابة، ويخرج الببغاء ونحوه لأنه لا يقدر على تعريف جميع الأحوال على الكمال. ومنها تسليطهم على ما في الأرض وتسخيره لهم، فالأرض لهم كالأم الحاضنة {منها خلقناكم وفيها نعيدكم} [طه: 55] وهي لهم فراش ومهاد، والماء ينتفعون به في الشرب والزراعة والعمارة وماء البحر ينتفع به في التجارة واستخراج الحلي منه، والهواء مادة الحياة ولولا هبوب الرياح لاستولى النتن على المعمورة، والنار ينتفع بها في الطبخ والإنضاج ودفع البرد وغير ذلك، وانتفاعهم بالمركبات المعدنية والنباتية والحيوانية ظاهر. وبالجملة فهذا العالم بأسره كقرية معمورة أو خوان معد، والإنسان فيه كالرئيس المخدوم والملك المطاع، فأي تكريم يكون أزيد من هذا؟ ولا شك أن الإنسان- لكونه مستجمعًا للقوة العقلية القدسية وللقوتين الشهوية البهيمية والغضبية السبعية ولقوّتي الحس والحركة الإرادية وللقوى النباتية وهي الاغتذاء والنموّ والتوليد- يكون أشرف مما لم يستجمع الجميع سوى المجردات المحضة. وقال بعضهم: إن هذا التكريم هو أنه تعالى خلق آدم بيده وأبدع غيره بواسطة {كن}.